مخيّر ام مسيّر؟!
مخيّر ام مسيّر؟!
سؤال قديم جدا طرح, هل الانسان مخير ام مسير؟, والمعركة مستمرة منذ القدم للقائلين بالجبرية والقائلين بالحرية, الفكر المادي يقوم على ان الانسان مسير وقائم على الجبرية حتمية, مثلا تجد فرقة السلوكيين يقولون ان الشخصية الانسانية ماهي الا ردود افعال على مواقف حسية, وهي عملية مادية صرفة تقوم على افعال او مواقف معينة, فقد حاصروا حياة الانسان بانها مجرد ردود افعال قائمة على مواقف معينة, والتفكير السلوكي هو غاية الحتمية والجبرية, لأن الانسان تحول فيه الى مجرد حيوان بدائي يقوم بفعل او رد فعل فقط, والفروديين يقولون ان الطفل من سن ال5 سنين تتكون شخصية وبعد ذلك يستحيل ان تتغير شخصية, حيث تتكون في اول 5 سنين من عمره عقده وسولكياته وشخصيته والمشاكل النفسية الخاص به, وكل العلاج لذلك الامر بعد ال5 سنين هي مسئلة الافشاء والارضاء والاستنارة بوجوده وتساعدة في ذلك, ولكن ليس تغييرها, فبمدأ النظرية الفرودية قائمة على الحتمية لأن السلوك البشري مبني على غرائز داخلية متجمدة منذ اول 5 سنوات في حياة الطفل, ولا تتغير بقية حياتها, لذلك الفرويديين جبريين وحتميين أيضاً لانهم يردون السلوك الى غرائز سابقة وثابتة, الماركسيين أيضا جبرين وحتميين أيضاً, لأنهم
يقولون ان حركة التاريخ يدفعها الصراع الطبقي, وأن ادوات الانتاج في المجتمع هي التي تخلق فيما بعد الفن والفكر والدين وكل ما الى ذلك, فبتغير مصادر الطاقة والوفرة في المجتمع تتغير البنية الفوقية للمجتمع وهي الاعتقادات والافكار والديانات وغيرها, فهي متراكمة على ادوات الانتاج نفسها, وهذا امر خطير فعلا اعتبار ان الدين لم ينزل من السماء بل خرج من الارض مثل الفحم والبترول وغيره من ادوات انتاج الطاقة, لذلك تم اعتبار الانسان حسب النظرية الماركسية انه مجرد وعاء يتم فيه صب الافكار والمعتقدات المعينة معتمدة على امور اخرى, فالذي يعيش في مجتمع برجوازي متعالى فسيفكر بطريقة معينة, وانه لو ولد في طبقة البروليتاريا الكادحة الفقيرة العاملة, فإنه سيفكر بطريقة فلانية معينة, فإذن البيئة والطبقة تفرض على اعضاء هذه الطبقة سلوكيتهم وتفكيرهم, حتى كارل ماركس نفسه تصرف بطريقة ناقضت هذا التفكير, لانه ابن الطبقة البرجوازية وقام بثورة ضدها, فالفكر الماركسي فكر حتمي جبري, وايضا نفس الامر نجده في التفكير التطوري, فنجد ان حياة الحيوان حسب الفكر الداروييني انه محتوم عليه حسب ابواه وان مصيره مثل مصير ابواه وله نفس طريقة تفكيره وحياتهم وامكانياتهم, لان له نفس جيناتهم ومتشابه معهم, فالحيوان من وجهة نظر داورن مجرد نسخة اخرى لحيوان اخر, إذن حتمي جبري هو الأخر.
فالنفكر قليلا في الكلام السابق ونتدبره قليلاً, في عائلة عادية اولادها يتلقون نفس التربية ويأكلون من نفس الطبق ويعيشون بنفس الظروف المادية والاجتماعية, تجد منهم من يكون دكتور عظيم له شأنه في مجتمعه, وتجد الاخر مجرم مسجون خلف القضبان, فهذا امر يناقض الحتمية الجبرية, فالإنسان حينما يولد لا يختم عليه التخلف العقلي او العبقرية او اكبر موسيقار او مدرس او غيرها, فهو فعلياً لا يورث من ابواه سوى الامور المادية العادية الشكلية الجسمية, الطول والعرض ولون العينين وغيرها, ولكن الاخلاق السلوكية والشخصية والتفكير وتفوق الشخص وفشله فهذه امور لا تورث والّا تنتهي مسؤولية المء على افعاله, ويقول افعل ما اريد ويبررذلك لجينات الوالدين, وأرى الجواب الحاسم لهذه القضية القديمة ان الانسان مخير ام مسيّر؟, أرد عليه , إستفتي قلبك, انظر لقلبك ماذا يقول لك, شعورك ماذا يقول لك, الا ترى لنفسك انك تختار ماتريد, وتعيش كيفما تريد وتفعل ما تريد, فأين المسير في الامر؟, فهل من الممكن ان تحب شخصاً من كل قلبك تحت ادوات التعذيب القوية والمفجعة؟, مش ممكن ذلك , فدليل ذلك ان الله سبحانه اعفى القلب من الحتمية واعطاه الخيرية وحرية الاختيار والفعل في الصميم, فالإجابة الافضل لهذه القضية هو إستفتي قلبك.

